النويري
223
نهاية الأرب في فنون الأدب
بديعا ، ثم قالت : هذا الغناء لإسحاق ، فلم تزل على ذلك حتى إذا كان عند الفجر قالت : المجالس بالأمانات ، ثم أخذت وأخرجت إلى باب صغير ، فانتهيت إلى دارى فأرسل المأمون إلىّ فمشيت إليه ، وبقيت عنده إلى وقت البارحة ودخل إلى حرمه ، فخرجت إلى ذلك الموضع ودخلت الزنبيل ، فقالت : ضيفنا ! ! قلت : منوا بالصفح ، قالت : فعلنا ولا تعد ، فلما كان عند الصباح فعلت فعلة البارحة ، وخرجت فأتيت المأمون ، فقال : أين كنت ! ! فاعتذرت إليه ، فلما كان الليل صنع صنعه وصنعت كذلك ، فلما دخلت في الزنبيل قالت : ضيفنا ! ! قلت : اى ها اللَّه ! ! ، قالت : أجعلتها دار مقام ! ! قلت : الضيافة ثلاث فإن رجعت فأنت من دمى في حلّ ، فلما كان عند الوقت أفكرت في المأمون ، وعلمت أنّه لا يخلصني منه إلا أن أخبره ، وعلمت من شغفه بالنساء أنه يطالبنى بالمشي إليها ، فقلت : جعلت فداك - أتأذنين في ذكر شئ حضر ؟ قالت : قل ، قلت : أراك ممّن يحب الغناء ويشغف بالأدب ، ولى ابن عم هو من أهل الشعر « 1 » والأدب والغناء ، هو أعرف خلق اللَّه بغناء إسحاق ، الذي سمعتك تثنين عليه ، فقالت : طفيلى ويقترح ، قلت : إنما ذكرت ذلك لك وأنت المحكَّمة ، قالت : فإذا كان كما ذكرت فما نكره أن نعرفه ، قلت : فالليلة ، قالت : نعم ، ثم انصرفت على عادتي فلما وصلت دارى أتاني رسول المأمون ، فمشيت إليه وهو حنق علىّ ، فقال : يا إسحاق آمرك بشئ فلا تقف عنده ، وكان لا يدخل إلى حرمه حتى يأمرني بانتظاره ، فأتذكَّر مجالسة الجارية فأنسى عقوبته ، فقلت : لي قصّة أحتاج فيها إلى خلوة ، فأومأ بيده إلى من كان واقفا فتنحّوا ، فذكرت له القصة فلما فرغت من كلامي قال : كيف لي بمشاهدة ذلك الموضع ؟ قلت : قد علمت أنك تطالبنى بهذا ، وقد قلت لها لي ابن عم من صنعته ومن حديثه ، ثم جلسنا على عادتنا في الأيام الخوالى -
--> « 1 » في كمامة الزهر ص 268 : الحسن